فوزي آل سيف

26

معارف قرآنية

هل هو معجز لغير العرب ؟ ويُطرح سؤالٌ آخر أنه بالنسبة للعربي القرآن الكريم مُعجِزٌ لأن لغته عربية، ولكن لغير العربي لا معنى لأن يكون القرآن مُعجِزًا، فإذن الإعجاز باللغة العربية هو للعرب وأما للمتحدثين بغير العربية فلا يُعدُ إعجازًا! هذانِ سؤالانِ مهمان ينبغي أن نُجيب عليهما، وأرى أنهُ من الضروري تقديمُ مقدمةٍ حول نشأةِ اللغات عند البشر، كيف أصبحت اللغات موجودة عند البشر؟ ثم نشير إلى ميزات اللغة العربية ومن خلالها سيتم الاجابة عن السؤال المتقدم . اتجاهات نشأة اللغة: هناك نظريات متعددة في هذا الجانب، و حتى لا نَتَطَرَقَ إلى التفاصيل، فإن هذه النظريات تنتهي إلى اتجاهين أساسيين : الاتجاه الأول يقول أن نشوء اللغات عند البشر هو نشوءٌ ديني من الله عز وجل، أي أن الله سبحانه عندما خلق هذا الإنسان زودهُ بآلات ووسائل للتواصل اللغوي مع بني جنسه. فأعطاه السمع والبصر ولسانٌ وقدرةٌ على البيان، وأعطاهُ أيضًا العقل لِيَعقِل به الأشياء ويحفظ به الأمور ويستنتجها، هذه الأمور هي بمثابة أدوات وآلات للتواصل اللغوي، بعدها عندما أرسل الأنبياء فإنه كما أعطى الأنبياء برنامجًا للحياة السعيدة في هذا الدنيا والذي يُوصلهم إلى رضوان الله في الآخرة، فهو أيضًا أعطى للبشر طريقةً للتخاطب، وهي اللغة. فعَلّم الأنبياء اللغة وهم بدورهم علموا أقوامهم. ثم تطورت وتكاملت بصورة اجتماعية . وممن " التزم بها ابن فارس صاحب ( معجم مقاييس اللغة ) والمحقق النائيني ، وبعض المفسرين كالقرطبي حين شرح ( وعلم آدم الأسماء ) ورأى أن اول من تكلم بالعربية آدم .. وذلك أن الله خلق الخلائق متواصلة ، ليس بين البشر وحدهم بل بين البشر وسائر المخلوقات ( علمنا منطق الطير ) وفي البشر كان من أهم صفاتهم ( علمه البيان ) واستخدم القلم للتعليم ( علم بالقلم ) .. وفي بداية الخلق ( علم آدم الأسماء كلها ) وبعدما جهز الانسان بوسائل النطق والتعليم والبيان ، وألهم الأنبياء أصول الكلمات واللغة ، انتشرت وتفرعت "[45]. وبإمكان القائلين بها أن يستفيدُوا مثلًا في اليهوديةِ من بعض العبارات التي تقصُ قِصة آدم، وهي موجودة لدينا أيضًا في القرآن الكريم “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” موجودٌ في التوراة ما يُشبه هذه الآية تقول “المُعلم للأسماء هو الله سبحانه وتعالى”، وبداية معرفةِ الأسماء هي بداية اللغة. لو كان لكَ طفلٌ حديث الولادة، عند بداية نطقه تُعلمه الأسماء، فتقولُ لهُ مثلا “بابا” فيحفظها، “ماما”، “باب”، “كأس” فيحفظها وهكذا، فهو تدريجيا يلتَقِط هذه الأسماء ويبدأ باستخدامها ويتعلمُ اللغة ثم يتعلم بالتدريج وصف الأفعال وبعدها الروابط بين الجمل . نفس هذا الكلام ينطبق على ذلك الزمان، فالله سبحانه علّم آدم الأسماء، وآدم علّم البشر وانتشرت اللغة من خلال ذلك. هذا طبعا بناءً على تفسير “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ” بقضية اللغة والكلمات والألفاظ، وإلا فإن هناكَ تفاسير أُخرى[46] وتأويلات لهذه الآية، منها مثلا ما يرتبط بالعقائد كما

--> 45 ) فقه الاستنباط ؛ السيد محمد تقي المدرسي 1/ 85 46 ) لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة وجوه متعددة من التفسير .